حبيب الله الهاشمي الخوئي
402
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
هي منازل السّايرين إلى اللَّه ولا حصر لتلك المنازل وإنّما يعرف كلّ سالك منزله الذي بلغه في سلوكه فيعرفه ويعرف ما خلفه من المنازل . وأمّا ما بين يديه فلا يحيط به علما كما لا يعرف الجنين حال الطفل ، ولا الطفل حال المميّز ولا المميّز حال المراهق ، ولا المراهق حال العاقل وما اكتسبه من العلوم النّظرية ، فكذا لا يعرف العاقل ما افتتح اللَّه على أوليائه وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته « ما يفتح اللَّه للنّاس من رحمة فلا ممسك لها » وهذه الرّحمة مبذولة بحكم الجود والكرم من اللَّه سبحانه غير مضنون بها على أحد ولكن إنّما تظهر في القلوب المتعرضة لنفحات الرّحمة كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّ لرّبكم في أيّام دهركم لنفحات ألا فتعرّضوها ، والتعرّض لها إنّما هو بتطهير القلب وتزكيته من الكدر والخبث الحاصلين من الأخلاق المذمومة . فظهر بذلك معنى تمام الانسان وكماله وخاصّته التي بها امتاز عن ساير أفراد الحيوان وتحقّق أنّ البدن مركب للقلب ، والقلب محلّ للعلم ، والعلم هو مقصود الانسان وأنّ العلم والمعرفة هو الذي خلق الانسان لأجله كما قال : * ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * . أي ليعرفون كما ظهر لك معنى رزق البدن وزاد القلب ، واتّضح أنّ القلب هو الطالب الجالب للرّزق والزاد لاصلاح المعاش والمعاد . وقوله عليه السّلام ( في مجلَّلات نعمه وموجبات مننه ) العطف بمنزلة التّفسير يعنى أنكم متنعّمون بنعمه العامة الشّاملة وآلائه التّامة الكاملة الموجبة لمنّته سبحانه عليكم فالمراد بمجلَّلات النّعم ما أنعم بها على جميع الموجودات والمخلوقات بمقتضى رحمته الرّحمانيّة كما قال سبحانه : * ( أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَه ُ ثُمَّ هَدى ) * . وبموجبات المنن أنّ تلك النّعم موجبة لمنة اللَّه سبحانه عليهم فلا بدّ أن يقوم العبد بلوازم الشّكر والامتنان ، ولا يقابل بالطغيان والكفران ، وأعظم ما منّ اللَّه به على عباده أن هداهم للاسلام والايمان وأرشدهم إلى سلوك سبيل الجنان وبعث فيهم